اقتصاد

لارس كلينغبايل يدافع عن اقتراض 838.2 مليار يورو لاحتياجات الأمن

The Verificat + رويترز

برلين تكسر قيود الإنفاق

دافع وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل أمام البرلمان عن تحول واسع في السياسة المالية لبلاده، قائلاً إن ألمانيا لا تستطيع ضمان قدرتها على الدفاع عن نفسها من دون اللجوء إلى ديون جديدة، في وقت تستعد فيه برلين لزيادة تاريخية في الإنفاق على الدفاع والبنية التحتية خلال السنوات المقبلة.

وتخطط الحكومة لاقتراض نحو 838.2 مليار يورو بين عامي 2027 و2030، وفق مشروعها المالي، في واحدة من أكبر موجات الاقتراض التي تشهدها ألمانيا منذ عقود.

ولا تزال الأرقام جزءاً من خطة حكومية تحتاج إلى استكمال المسار البرلماني قبل أن تتحول بكاملها إلى مخصصات نهائية قابلة للتنفيذ.

109 مليارات يورو للدفاع في عام واحد

تظهر الأرقام حجم التحول الذي تسعى إليه الحكومة الألمانية.

فمن المقرر أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الأساسي إلى نحو 109 مليارات يورو في 2027، مقارنة بـ82.2 مليار يورو في 2026.

وعند إضافة المساعدات المخصصة لأوكرانيا ومصروفات أمنية أخرى، يصل إجمالي الإنفاق المرتبط بالأمن إلى نحو 130.1 مليار يورو.

هذه الزيادة تعكس انتقال ألمانيا من مرحلة اعتمدت فيها لعقود على ضبط الإنفاق العسكري إلى استراتيجية ترى أن القدرة الدفاعية تحتاج إلى تمويل طويل الأمد يتجاوز القيود المالية التقليدية.

البنية التحتية تحصل على دفعة ضخمة

الديون الجديدة لن تذهب إلى الدفاع وحده.

تخطط برلين لرفع الاستثمارات الحكومية إلى نحو 117.5 مليار يورو في 2027، بعدما بلغت 78.9 ملياراً في 2025.

ويستند جزء رئيسي من هذه الزيادة إلى صندوق خاص للبنية التحتية تبلغ قيمته 500 مليار يورو، يهدف إلى تمويل مشاريع تشمل النقل والسكك الحديدية والطاقة والرقمنة والمرافق العامة.

الحكومة تراهن على أن ضخ الأموال في هذه القطاعات سيعالج سنوات من ضعف الاستثمار ويزيد القدرة الإنتاجية لأكبر اقتصاد في أوروبا.

لكن حجم الأموال المرصودة لا يعني تلقائياً أن كل المشاريع ستنفذ في المواعيد المحددة، إذ يبقى الاختبار الحقيقي في سرعة طرح العقود والبناء والتسليم.

«لا يمكن الدفاع عن ألمانيا بلا ديون»

كلينغبايل وضع الدفاع عن الاقتراض في إطار أمني مباشر.

فالحكومة ترى أن البيئة الاستراتيجية لألمانيا تغيرت جذرياً، وأن التهديدات العسكرية الروسية، والتوترات المرتبطة بإيران، والهجمات السيبرانية، تتطلب موارد لم يعد ممكناً توفيرها عبر الموازنة التقليدية وحدها.

ويعكس هذا الخطاب تغيراً كبيراً في بلد ارتبطت سياسته الاقتصادية طوال عقود بثقافة مالية شديدة الحذر تجاه الاقتراض والعجز.

بالنسبة إلى الحكومة، لم يعد السؤال هو ما إذا كان ينبغي الاقتراض، بل ما إذا كان الامتناع عن الاستثمار والإنفاق الدفاعي سيكلّف ألمانيا أكثر مستقبلاً.

من «كبح الديون» إلى مرونة مالية أكبر

تملك ألمانيا واحدة من أكثر قواعد الدين العام صرامة في أوروبا، إذ يفرض ما يعرف بـ«كبح الديون» قيوداً على العجز الهيكلي للحكومة الاتحادية.

لكن التطورات الأمنية والاقتصادية دفعت برلين إلى إعادة النظر عملياً في حدود هذه السياسة، خصوصاً بالنسبة إلى النفقات الدفاعية والاستثمارات الاستراتيجية.

ويرى المدافعون عن الخطة أن سنوات طويلة من الانضباط المالي تركت وراءها شبكة سكك حديدية تحتاج إلى تحديث، وطرقاً وجسوراً ومرافق عامة تواجه ضغوطاً متزايدة، بالتوازي مع حاجة القوات المسلحة إلى إعادة بناء قدراتها.

في المقابل، يحذر منتقدو التوسع المالي من أن الاقتراض بهذا الحجم قد يزيد أعباء خدمة الدين مستقبلاً ويقلص هامش الحكومات المقبلة.

الاقتصاد يحتاج إلى دفعة

تأتي الخطة بينما تحاول ألمانيا الخروج من فترة طويلة من الأداء الاقتصادي الضعيف.

وسجل الاقتصاد نمواً بنحو 0.3% في الربع الثاني، فيما رفعت بعض المعاهد الاقتصادية توقعاتها للنمو جزئياً بسبب الزيادة المنتظرة في الإنفاق الحكومي.

ومن الناحية النظرية، يمكن للاستثمار العام أن يحفز الطلب في المدى القصير، وأن يرفع الإنتاجية مستقبلاً إذا استُخدم في مشاريع قادرة على تخفيض تكاليف النقل والطاقة وتحسين البنية الرقمية.

لكن النتيجة تعتمد على التنفيذ.

فإن بقي جزء كبير من الأموال عالقاً في الإجراءات البيروقراطية أو واجه نقصاً في العمالة والمواد والمقاولين، فقد يكون تأثير الحزمة أقل من الحجم الذي توحي به أرقامها.

مخاطر الطاقة والتجارة

الخطة الألمانية تأتي أيضاً في بيئة دولية غير مستقرة.

ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بحرب إيران يشكل ضغطاً جديداً على قطاع صناعي عانى أصلاً من ارتفاع كلفة الغاز والكهرباء خلال السنوات الماضية.

كما أن تقلب العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة يضيف طبقة أخرى من المخاطر بالنسبة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التصدير والصناعة.

وهذا يعني أن الاقتراض الحكومي سيعمل في مواجهة عوامل خارجية قد تدعم النمو أو تلتهم جزءاً من أثر الإنفاق الجديد.

السياسة تدخل على خط الموازنة

لا يقتصر الجدل على الاقتصاد.

فمشروع الموازنة يأتي بعد تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا في انتخابات ساكسونيا أنهالت، ما أعاد الضغط على الائتلاف الذي يقوده المستشار فريدريش ميرتس وفتح النقاش مجدداً بشأن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.

وأصبحت الموازنة بذلك اختباراً مزدوجاً للحكومة: هل تستطيع إقناع الأسواق والبرلمان بجدوى الديون الجديدة، وهل تستطيع في الوقت نفسه إقناع الناخب الألماني بأن الأموال ستتحول إلى نتائج ملموسة في الجيش والطرق والخدمات؟

لماذا يمثل الرقم 838 ملياراً تحولاً تاريخياً؟

المغزى لا يكمن في حجم الدين وحده.

ألمانيا بنت جانباً كبيراً من صورتها الاقتصادية الحديثة على الانضباط المالي، وتحولت قاعدة كبح الديون إلى جزء شبه ثابت من النقاش السياسي الداخلي.

لذلك فإن الاستعداد لاقتراض أكثر من 800 مليار يورو خلال أربع سنوات يعني أن الحكومة تعيد ترتيب أولويات الدولة نفسها، واضعة الأمن والبنية التحتية والنمو في مرتبة أعلى من الالتزام الصارم بخفض الاقتراض.

وإذا نُفذت الخطة، فقد تصبح نقطة تحول طويلة الأمد في السياسة المالية الألمانية، لا مجرد استجابة مؤقتة لأزمة أمنية.

الإنفاق الدفاعي قد يغيّر الاقتصاد أيضاً

الارتفاع الكبير في ميزانية الدفاع لا يعني شراء الأسلحة من الخارج فقط.

إذا حصلت شركات ألمانية وأوروبية على نسبة كبيرة من العقود الجديدة، فقد يؤدي الإنفاق إلى توسيع إنتاج الصناعات الدفاعية، واستحداث وظائف، وزيادة الاستثمار في مجالات التكنولوجيا والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والأمن السيبراني.

لكن إذا ارتفعت النفقات بوتيرة أسرع من قدرة القطاع الصناعي على الإنتاج، فقد ترتفع الأسعار بدلاً من أن ترتفع الكميات، ما يقلل القيمة الحقيقية للإنفاق.

وهنا يصبح قياس عدد المعدات المسلمة والمشاريع المنجزة أكثر أهمية من مقارنة أرقام الموازنات وحدها.

لارس كلينغبايل يدافع عن اقتراض 838.2 مليار يورو لاحتياجات الأمن

ما المؤكد حتى الآن؟

المؤكد هو أن الحكومة الألمانية تتجه نحو توسع مالي كبير، وأن خطة الاقتراض للفترة بين 2027 و2030 تصل إلى نحو 838.2 مليار يورو، بالتزامن مع قفزة في الإنفاق الدفاعي والاستثماري.

كما أن وزير المالية يدافع علناً عن استخدام الدين بوصفه أداة ضرورية لتمويل الأمن وتحديث الاقتصاد.

لكن الأرقام لا تزال خاضعة للنقاش البرلماني والتعديلات المحتملة، ولا يمكن التعامل مع كامل المبالغ المخططة باعتبارها إنفاقاً منفذاً قبل اعتماد الموازنة والعقود المرتبطة بها.

ما الذي نراقبه؟

الاختبار الأول سيكون شكل الموازنة بعد انتهاء النقاش البرلماني، وما إذا كانت الأرقام الرئيسية ستبقى كما اقترحتها الحكومة.

أما الاختبار الثاني فهو التنفيذ: حجم العقود الدفاعية الفعلية، وسرعة إطلاق مشاريع البنية التحتية، ونسبة الأموال التي تتحول إلى إنفاق حقيقي خلال السنة المالية.

ويبقى الاختبار الأهم اقتصادياً هو ما إذا كانت هذه الموجة من الاقتراض ستنجح في رفع النمو والإنتاجية بما يكفي لتبرير كلفتها، أم ستضيف ديوناً ضخمة من دون تغيير جوهري في أداء الاقتصاد.

ألمانيا لا تناقش اليوم مجرد موازنة جديدة؛ بل تعيد تعريف العلاقة بين الدين والأمن والاستثمار. وإذا نجحت الخطة، فقد تنهي حقبة طويلة من التقشف المالي الألماني. وإذا أخفق التنفيذ، فإن رقم 838 مليار يورو سيتحول من رهان على المستقبل إلى عبء ثقيل على الموازنات المقبلة.

المصادر

  • رويترز

  • وزارة المالية الاتحادية الألمانية

  • البرلمان الألماني – البوندستاغ

morocco-news.net — لارس كلينغبايل يدافع عن اقتراض 838.2 مليار يورو لاحتياجات الأمن
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى